أبي منصور الماتريدي

33

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، أي : ما حرم عليكم من أنواع اللذات بكف الأنفس عن الذي به يدعو إليها من الأغذية . أو تَتَّقُونَ نقمة الله في الآخرة ، ومخالفته في الفعل في الدنيا . وقد جعل الله جل ثناؤه عباداته أعوانا للمعتادين بها على الكف عن المعاصي ، والخلاف لله في الشهوات ، فقال : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ البقرة : 45 ] ، وقال : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [ العنكبوت : 45 ] ، وغير ذلك . والله الموفق . والأصل : أن العبادات تذكر أصحابها عظم أحوالهم في أوقات فيها من المقام بين يدي الجبار ، وتطلعهم على الموعود لهم في الميعاد . وهما أمران عظيمان : أحدهما : في الزجر بما يعلم من عظم المقام واطلاع الواحد القهار عليه . والثاني : في الترغيب بما يشعر قلبه من لذيذ الموعد ما يضمحل لديه كل لذة دونه ، وتنقطع شهواته التي بينه وبين ما وعد . والله أعلم . ثم قال : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . . . الآية ، من غير أن ذكر فطرا ، فلا أشار إلى ما ذكر من السفر والمرض اللذين جعلا له تأخير الصيام إلى أيام أخر ، ولا أشار إلى أعين تلك الأيام . وكذلك قال مثله فيما كان عرف الوقت لابتداء الصيام بقوله عزّ وجل : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ على أثر المعرف له بقوله عزّ وجل : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، لكن الفطر يعرف أنه مضمر فيه بالعقل والسمع : فأما السمع : فما جاء من الآثار في الإذن بالإفطار للسفر والمرض ؛ دل أن في ذكر العدة مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ إضمار فطر . والله أعلم . والعقل : أن الله تعالى جعل المرض والسفر سببي الرخص ، فلا يجوز أن يصيرا سببي زيادة فرض على ما كان قبل اعتراضهما ، على أن قوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ دليل أنه لو كان يلزم القضاء مع فرض فعل الصوم لكان ذلك عسرا وحرجا في الدين ، وقد أخبر الله تعالى أنه ما يجعل علينا الحرج في الدين . وعلى ذلك قال بعض الناس : يلزمهما القضاء إن أفطرا أو لا ، محتجّا بما لم يذكر في القرآن الإفطار ، وذكر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ كأنه جعل الوقت لهما غير الذي هو لغيرهما . يؤيد ذلك المروى عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الصائم في السفر كالمفطر » « 1 » ،

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( 3 / 164 ) كتاب الصيام ، باب ما جاء في الإفطار في السفر ( 1666 ) من طريق -